#

تابع الوزارة:

مقالة السيد مولود تشاووش أوغلو وزير الخارجية المنشورة في صحيفة واشنطن تايمز تحت عنوان ”ما نفعله اليوم يحدد ملامح الغد“، 2 نيسان/أبريل 2020

ما نفعله اليوم يحدد ملامح الغد

مولود تشاووش أوغلو

إن الناس عادة ما يميلون إلى الاعتقاد بأن العالم لن يكون كسابق عهده بعد كل حدث مرعب. وإنه لمن الصواب أن يتغير العالم من بعض النواحي هذه المرة. فالتاريخ العالمي ملئ بمثل هذه التحولات والأحداث المؤلمة. سبق أن سيقت تحذيرات منذ سنوات بأن جائحة ما من الممكن أن تكون مرعبة بهذا الشكل الذي عليه كورونا. أولئك الذين يعيشون في حرب عنيفة وأوضاع كارثية ويشهدون انهيار دول، معذورون حينما يعتقدون أنه لا يمكن أن يعيشوا أسوأ مما هم فيه. وأما من يعيشون في مناطق مسالمة مرفهة قد يعتقدون أنه لا يوجد هناك ما يمكنه إلحاق الضرر بهم، وشغلهم الشاغل مواصلة حياتهم السعيدة على نفس الشاكلة. لكن ما نشهده حاليا من وباء قاتل وصل لدرجة أنه لم يعد هناك مجتمع يعتقد بأنه بعيد عنه وفي مأمن منه.

وفي ظل هذا الفيروس نبعد أنفسنا عن الآخرين وعن التفاعل الاجتماعي للحيلولة دون تفشي هذا المرض.

إن فيروس كورونا تفشى في جميع القارات باستثناء القارة القطبية الجنوبية. ويزداد عدد الإصابات والوفيات جرّاء الإصابة به. يؤمر أكثر من ثلث البشرية بالبقاء في المنازل. ولسوء الحظ، ستكون هناك وفيات جديدة تضاف إلى من فقدناهم بأعداد كبيرة حتى الآن. التكلفة الاقتصادية لتفشي الفيروس مخيفة أيضا. ومن المتوقع كذلك أن يكون لها آثار طويلة المدى. سيؤثر ذلك بالتأكيد على الحكومات في جميع أنحاء العالم. لم نر النور في نهاية النفق حتى الآن، ولا ينبغي أن ننتظره. إنها لحظة تفكير ولحظة قيادة وعمل.

كان النظام العالمي يعاني قبل كورونا العديد من الصعوبات. دأبت تركيا كثيرا ما على القول بضرورة إصلاح ذلك النظام، وليس هذا فحسب بل وقالت إن طريقة تشكيل مجلس الأمن قد عفا عليها الزمن، إذا أن العالم أصبح أكبر من خمسة. نحن نعرف أن ذلك النظام لا يعمل كما ينبغي. ندرك ذلك بحكم كوننا دولة أجبرتها الظروف المحيطة أن تصبح وجها لوجه مع صراعات لا تنتهي بالمناطق المجاورة، ومع بؤس بشري، وبحكم كوننا دولة تعتبر الأكثر استضافة للاجئين والمهاجرين حول العالم.

 إن العالم سبق أن اهتزت أركانه عام 2008 بسبب الجائحة الاقتصادية قدمت مجموعة العشرين آنذاك شعورا بالاستقرار للاقتصاد العالمي المترنح. النظام العالمي عمل آنذاك، لكن علينا الآن تقديم الدعم اللازم من أجل التخفيف من التأثير الاقتصادي للأزمة الراهنة والتأكد من أن النظام يعمل حتى عند إجراء التصحيحات والتغييرات اللازمة.

إن الأولوية القصوى حاليا تتمثل في حماية صحة وسلامة الناس من فيروس كورونا. نحن نؤيد البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين الأخيرة الذي جاء في الوقت المناسب، حيث التزم القادة بالتضامن في مكافحة هذا الوباء وحماية الاقتصاد العالمي وإزالة القيود التجارية. إن أحد الإجراءات الهامة التي اتفقت عليها مجموعة العشرين هو توسيع اتفاقيات المبادلةSWAP . ويسعدنا أيضا تبني اقتراحنا بشأن تشكيل مجموعة تنسيق لكبار المسؤولين من قبل مجموعة العشرين. حيث نحتاج إلى التنسيق عن كثب في قضايا مثل إدارة الحدود وإعادة المواطنين إلى أوطانهم. وأود أن أعرب عن امتناني لكندا على تقديم آرائها الأولية بشأن الإجراءات التي تتخذها. أثبتت مجموعة العشرين مرة أخرى أنها التنسيق الصحيح لإدارة الأزمات العالمية.

إن العديد من الدول وعلى رأسها تركيا اتخذت العديد من التدابير القوية في ظل هذه الأزمة. لكن الجهود الفردية لن تكون كافية. فهذا الاختبار العالمي يقتضي تدخلا عالميا فيما يتعلق بالصحة العامة ثم الاقتصاد. وفي عملية التدخل هذه، سيقتضي الأمر على المدى الطويل إعادة تشكيل الدعم الذي تقدمه الدول والمؤسسات الدولية في هذا الصدد. فعلى المؤسسات الدولية المعنية الاضطلاع بدور فعّال بخصوص الدعم المالي ودعم المعدات الطبية. إن حماية المجتمعات الهشة والمهاجرين غير الشرعيين واللاجئين ودعم البلدان المضيفة، أصبحت أكثر أهمية الآن عن ذي قبل. إذ يجب أن تعمل شبكات التوريد العالمية ونقل البضائع دون حواجز. كما يجب إعادة تقييم العقوبات التي باتت أداة سياسية يتم استخدامها بشكل صارخ من منظور إنساني. إن العديد من العقوبات، بما فيها تلك التي تستهدف إيران، لا تضر الإيرانيين فحسب، بل تضر جيرانهم أيضا. في وقت تفشي الوباء يكون هذا الخطر أعلى. ويجب ألا تترك البلدان النامية وأقل البلدان نموا، ولا سيما البلدان الأفريقية.

إن القضية التي تهم الجميع وتتطلب استجابة عالمية الآن هي إنهاء الصراعات التي تجعل الناس والأنظمة البيئية والاقتصاد والضمير يدفعون الثمن باهظا. وبالتالي فإن هذا يقتضي تنحية المجتمع الدولي جميع النزاعات الدولية جانبًا، بما في ذلك تلك التي في الشرق الأوسط، ومن ثم ندعو إلى إنهاء الصراعات والسعي الجاد للحوار والمصالحة. ففي الوقت الذي نعلم فيه أن الجميع يعانون ويكافحون من أجل صحة العالم، تصبح المنافسة الجيوسياسية والخلافات السياسية لا معنى لها.

إن هذا الجيل من القادة يحدد بالفعل مستقبل النظام العالمي من خلال القرارات التي يتخذونها اليوم في مواجهة الوباء. البذور التي نزرعها اليوم ستظهر أمامنا قريبا كحقائق جلية. يمكننا الوصول إلى واقع نظام عالمي قائم على القواعد ومدعوم من قبل المنظمات العالمية التي تركز على رفاهية الناس بغض النظر عن جنسيتهم أو معتقداتهم أو أجناسهم، وشبكة الدول القومية المقاومة والخاضعة للمساءلة والفعالة، والاقتصادات التي لا تترك أحدا وراءها وتستفيد منها الجميع. حيث أن عمليات بحث بديلة أخرى ليست ذات مغزى، وضارة للجميع. إذا اخترنا جميعا تحقيق ذلك قد يمكن إنشاء إرث إيجابي سيتركه هذا الوباء، على الرغم من كل المعاناة التي يسببها. ابقوا في منازلكم ابقو آمنين.