#

مقالة السيد مولود تشاووش أوغلو وزير الخارجية المنشورة على موقع الجزيرة الالكتروني بتاريخ 26 تموز/يوليو 2016 تحت عنوان "تركيا: ليلة الأبطال العاديين"

تركيا: ليلة الأبطال العاديين

قام أعضاء خلية نائمة تابعة لتنظيم إرهابي في حوالي الساعة العاشرة من ليلة الجمعة الواقعة في الخامس عشر من تموز/يوليو، بمحاولة انقلابية بغية إسقاط حكومة الجمهورية التركية التي تسلمت مهامها عبر انتخابات ديمقراطية.

ومن قام بهذه المحاولة الانقلابية، عبارة عن مجموعة بنت أعشاشها داخل القوات المسلحة التركية، وهي على صلة وارتباط بتنظيم فتح الله غولن الإرهابي.

وهؤلاء الضباط الخونة الذين قصفوا مراكز الأمن بالطائرات الحربية، تسببوا بمقتل العشرات من عناصر الشرطة المكلفين بحماية الشعب.

كما قامت طائرات الإف 16 التي خطفها أعضاء التنظيم الإرهابي بقصف مجلس الأمة التركي الكبير في وقت كان فيه المجلس في حالة انعقاد.

وتم اختطاف رئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار والعديد من الجنرالات الكبار من قبل الفرق الأمنية الشخصية التابعة لهم.

وتعرضت كافة المؤسسات الديمقراطية في البلاد إلى الهجوم في نفس الوقت تقريباً.

لحظة إعجاز
ولكن، وفي هذه اللحظة بالذات، حدثت معجزة كبيرة لا مثيل لها. ألا وهي مقاومة الشعب التركي للانقلاب انطلاقاً من إدراكه بأن الديمقراطية في خطر.

وعند انتشار خبر الانقلاب في وسائل التواصل الاجتماعي، هرع المواطنون إلى الشوارع.
وفي اللحظة التي وصل فيها السيد الرئيس رجب طيب أردوغان إلى مطار أتاتورك في إسطنبول، كان مئات الألوف من المواطنين العاديين في الشوارع يقفون في مواجهة الدبابات والمدرعات والبنادق الهجومية.

أما الانقلابيون الذين تلقوا الأوامر بالقضاء على كافة أنواع المقاومة، فقد قصفوا المدنيين بالحوامات.
وفي الوقت الذي كان فيه المدنيون يقتلون في الشوارع، ساهمت الفيديوهات التي تظهر وبشكل صارخ مدى استهتار الانقلابيين بحياة مواطنيهم، في إثارة المزيد من مشاعر الغضب لدى الناس.

ومع انتشار الأخبار بشكل سريع في وسائل التواصل الاجتماعي، اكتظت ساحات ومراكز المدن في غضون عدة ساعات بملايين المواطنين المطالبين بعودة الجنود إلى ثكناتهم.

وخلال الساعات الخمسة التالية لمحاولة الانقلاب قام الشعب التركي الغاضب ممن حاولوا مس النظام الديمقراطي، بمحاصرة الدبابات التي انتشرت في الشوارع بهدف إخافة المواطنين وبث الذعر في نفوسهم.
ونتيجة لذلك، تخلى الجنود الذين أطلقوا النار على المدنيين الأبرياء، عن أسلحتهم، وتكللت محاولة الانقلاب بالفشل.

وذلك بفضل تجمع حشود من المواطنين العاديين لمواجهة الانقلاب والتمسك بالديمقراطية.
كما أصدرت كافة الأحزاب السياسية الممثلة في مجلس الأمة التركي الكبير بياناً مشتركاً نددوا فيه جميعاً بالمحاولة الانقلابية.

وبذلك، أثبتت الديمقراطية التركية نفسها مرة أخرى.

ومن اللافت أيضاً الدور المحوري الذي لعبته وسائل الإعلام التركية في مواجهة المحاولة الانقلابية.
ولكن وللأسف فقد 246 مواطناً تركياً حياتهم جراء هذه الأعمال الإرهابية المصحوبة بالعنف. منهم 179 من المدنيين الأبرياء الذين وقفوا ببسالة أمام الدبابات للمطالبة باستعادة حقوقهم الديمقراطية. كما جرح أكثر من ألفي مواطن خلال هذه الأحداث.

وسيتم التحقيق مع المشاركين في محاولة الانقلاب هذه، ومقاضاتهم في إطار القوانين.

مخططو الانقلاب
يتضح من الإفادات التي أدلى بها المعتقلون والمعلومات التي قدمتها مختلف الوكالات أن من قام بهذه المحاولة الانقلابية الإرهابية هو تنظيم فتح الله غولن الإرهابي.

حيث أن فتح الله غولن شجع أتباعه طيلة الأعوام الثلاثين الماضية على التسلل إلى سلكي الجيش والقضاء في تركيا.

وهناك تسجيل مصور سري يعود إلى عام 1997 يوجه فيه غولن رسالة لأتباعه، مفادها: "تسللوا إلى أكثر المناصب حساسية في الدولة دون أن تلفتوا أي انتباه".

وقام غولن الذي أخفى خطته الشيطانية النكراء هذه، بتأسيس شبكة واسعة تتكون من المدارس ومنظمات المجتمع المدني والشركات، والتسلل إلى مؤسسات الدولة بسرية تامة، بهدف إسقاط حكومة الجمهورية التركية التي تسلمت مهامها عبر الانتخابات الديمقراطية.

وفي الوقت الحالي يقيم غولن المطلوب من قبل السلطات التركية لمقاضاته جراء الكثير من تهم التآمر، في منطقة تقع جنوب ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

وتواظب الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تقم بعد بتسليم غولن لتركيا من اجل مقاضاته، على تمديد تصريح إقامة غولن على أراضيها.

ويشعر الشعب التركي بانزعاج كبير جراء إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على استضافة غولن على أراضيها. ونحن كحكومة تركية نطالب بتسليم غولن إلينا لنقدمه إلى العدالة.

فتسليم غولن لتركيا هو أكثر ما ينتظره الشعب التركي من الولايات المتحدة الأمريكية. والقرار الذي ستتخذه الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الخصوص سيؤثر على مستقبل العلاقات بين الدولتين الحليفتين الهامتين.

ومازال تنظيم فتح الله غولن الإرهابي يواصل تمويل نشاطاته التخريبية عبر المدارس المتعاقدة التي يديرها ويشغلها في الولايات المتحدة الأمريكية.

وهذه النشاطات التي يمارسها غولن تشكل تهديداً للاستقرار والنظام الدستوري في تركيا، الدولة العضو في حلف الشمال الأطلسي.

وأي دعم يتم تقديمه لغولن ولتنظيمه الإرهابي لن ينسجم مع روح التعاون القائم بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وننتظر من الولايات المتحدة الأمريكية إبداء التضامن مع حليفتها في حلف الناتو، تركيا، والإسراع في اتخاذ الخطوات اللازمة لحظر نشاطات غولن والشبكة الإرهابية التي يتزعمها، والقيام بتسليمه لتركيا.

مولود تشاووش أوغلو - وزير خارجية الجمهورية التركية